بعد مقتل «الحداد» في ظروف مريبة.. اغتيال سيف الإسلام القذافي يزيد المشهد الليبي غموضا ويعمّق الانقسام

بعد مقتل «الحداد» في ظروف مريبة.. اغتيال سيف الإسلام القذافي يزيد المشهد الليبي غموضا ويعمّق الانقسام

لا يمكننا أن نفصل واقعة اغتيال المرشح الرئاسي ونجل الرئيس الليبي السابق سيف الإسلام معمر القذافي يوم الثلاثاء الماضي عن واقعة اغتيال رئيس الأركان الليبي محمد علي الحداد وعدد من كبار مساعديه في 24 ديسمبر الماضي، فكلا الحادثين يشوبه الغموض ولا يستبعد فيهما تورط أياد خارجية، كما أن كلًا من الرجلين «الحداد» و«سيف الإسلام» يعدان من الشخصيات الثقيلة في المشهد الليبي وكليهما يمكنه لعب أدوار مهمة في جمع ولم الشمل للوطن الذي عاني وما زال يعاني الانقسام منذ نحو عقد ونصف العقد.

وأسرة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي حكم بلاده نحو أربعة عقود لا تزال تتمتع بشعبية كبيرة في المجتمع الليبي الذي عاني وما زال يعاني تراجع مستوى المعيشة وتردي مستوى الخدمات والمرافق الحكومية وانعدام الأمن الجنائي وانتشار قاطعي الطرق واستيلاء الميليشيات خاصة في العاصمة طرابلس وما حولها على المؤسسات والمواقع الاستراتيجية وسيطرتها على صناعة القرار الليبي خاصة في حكومة الغرب الليبي التي يقودها عبد الحميد الدبيبة المنتهية مدة رئاسته القانونية ويرفض إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية منذ عدة سنوات.

ففي خلال شهرين فقط تم اغتيال أقوى شخصيتين سياسيتين كانا يمكنهما لم الشمل الليبي لما كانا يتمتعان به من إعلاء مصلحة الوطن والرغبة في توحيد البلاد وحمايتها من الانقسام خاصة في ظل تصاعد شعبيتهما في المجتمع الليبي ففي داخل الجيش الليبي في الغرب اغتيل منذ نحو شهر ونصف الفريق محمد علي الحداد الذي لم يتم الكشف عن الأيادي التي تسببت في اغتياله وملابسات وفاته التي يكتنفها الغموض حتى الآن رغم ما أذيع من تسجيلات كشفت عنها السلطات التركية يوم الجمعة الماضي والتي ضاعفت التساؤلات أكثر مما قدمت من إجابات.

كما أن المعلومات المتداولة في حالة اغتيال سيف الإسلام القذافي تثير أيضا الكثير من التساؤلات أولها: كيف لرجل بأهمية وفاعلية سيف الإسلام الذي لديه الكثير من الخصوم السياسيين في الداخل والخارج لا تتم حمايته بنظام أمني متطور؟!

ثانيا: تداول البعض معلومات تشير إلى أن طاقم الحراسة «المحدود» الذي يتواجد في منزله «البسيط» قد ترك موقعه قبل عملية الاغتيال بنحو ساعة ونصف تقريبا؟!

ثالثا: من الواضح أن الأشخاص الذين قاموا بعملية الاغتيال كانوا على علم بجغرافية المنزل وتفاصيله والمعلومات حول الحراسة بشكل جيد فقبل عملية الاغتيال وإطلاق الرصاص قاموا بتعطيل الكاميرات بكل أريحية عندما كان سيف الإسلام مشغولا باستقبال مكالمة تليفونية لم يتم الإفصاح عن اسم الطرف الآخر الذي ربما كان مكلفا بإشغال الضحية عما يدور حوله كي يتمكن الجناة من ارتكاب جريمتهم.

رابعا: استبعاد اسم سيف الاسلام القذافي أكثر من مرة من كشوف المرشحين للانتخابات الرئاسية ثم صدور الحكم القضائي له بأحقيته في خوض الانتخابات ثم تعطيل الانتخابات ورفض إجرائها بعد الحكم له من محكمة استئناف «سبها» في ديسمبر 2021 بخوضها هو دليل إضافي آخر على تعمد أطراف في الداخل وتواطؤ خارجي سواء من خلال الجهات الأممية التي لم تحاول السعي بجدية لإجراء الانتخابات واستقرار الأوضاع السياسية في البلاد على مدى السنوات السابقة أو بعض الجهات الأجنبية الأخرى التي أشار إليها الفريق القانوني للراحل سيف الاسلام القذافي.

وعلى الرغم من أن البعض يرى أن رحيل سيف الإسلام القذافي يمكنه أن يذلل عقبة كبيرة أمام بعض الطامحين لحكم ليبيا إلا أن الجنازة الضخمة التي شهدتها مدينة بني وليد يوم الجمعة الماضي وشارك فيها معظم القبائل الليبية تؤكد أن عائلة القذافي لديها رصيد شعبي يمكنها من الاستمرار في العمل السياسي بقوة نظرا لما شهدته أحداث الجنازة من حشد سياسي غير مسبوق في ليبيا.

ففي كلمته المؤثرة التي ألقاها الساعدي القذافي أثناء دفن شقيقه سيف الإسلام القذافي عصر الجمعة الماضي في مقابر بني وليد أكد الساعدي على أن «رحيل شقيقه لن يوقف مسار الكفاح الوطني المستمر منذ عام 2011» ومشددا على أن حركة «الكتلة الوطنية الصلبة» ترفض الارتهان للخارج كما ترفض التبعية لأي قوى خارجية، وعلق على أن جنازة شقيقه هي أكبر جنازة شهدتها ليبيا وهي بمثابة استفتاء شعبي على شخصه كمرشح رئاسي له شعبية كبيرة في الشارع الليبي.

وكانت عملية الاغتيال التي تمت ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي 3 فبراير بمثابة حدث مفجع لعائلة القذافي التي كانت ترى في ابنها سيف الإسلام أملا في إعادة مجد العائلة إلا أن عملية الاغتيال جاءت صادمة فبينما كان يتلقى مكالمة هاتفية من أحد الشخصيات سمع دوي إطلاق النار القادم من حديقة منزله الذي يقع في منطقة «الحمادة» قرب مدينة «الزنتان» جنوب غرب طرابلس فخرج لمعرفة مصادر إطلاق النار فشاهد شخصين ملثمين يقومان بإطلاق النار من سلاحيهما «الرشاش» قبل أن يقوما بتعطيل عمل كاميرات المراقبة، بينما كان يمسك هاتفه وكان المتحدث في التليفون على الطرف الاخر في مكالمة مفتوحة يمكنه فيها سماع دوي الرصاص الذي انتشر بسرعة وغزارة فخلال دقيقة أو دقيقتين بلغ عدد الرصاصات نحو 18 رصاصة استطاعت أن تقضي على سيف الإسلام القذافي قبل أن يتمكن من النيل من المسلحين وهو الذي كان وحيدا في منزله البسيط نحو الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الثلاثاء الماضي وكان في انتظار المسلحين اللذين استهدفا القذافي الابن اثنان آخران بسيارة كانت تراقب عملية الاغتيال وتترقب أي تدخل خارجي للتدخل إذا لزم الأمر.

وشهدت عدة مدن ليبية احتجاجات وتظاهرات شعبية استنكارا لاغتيال سيف الإسلام القذافي وأدانوا الجريمة التي جرت وأكدوا على رفضهم لسياسة الاغتيالات وتداعياتها على السلم الاجتماعي في البلاد، كما رفعوا شعارات تؤكد التمسك بما وصفوه بـ «مشروع سيف الإسلام» معتبرين أنه يمثل مسارا سياسيا يعبر عن شريحة واسعة من الليبيين ويقوم على مبدأي المصالحة الوطنية ووحدة البلاد.

وطالب المتظاهرون بتسليم راية المشروع السياسي إلى شقيقه «هانيبال» كي يستمر على نفس الخط السياسي الذي كان يقوده شقيقه سيف الإسلام وعدم السماح بطي صفحته من خلال العنف أو الاقصاء وشددوا على أن اغتيال سيف الإسلام لن ينهي المشروع السياسي الذي يتبناه أنصاره الذين طالبوا بتوحيد الصفوف وفتح المجال أمام حوار ليبي- ليبي شامل وبعيد عن التدخلات الخارجية للوصول إلى حل سياسي يضع حدا لحالة الانقسام والانسداد السياسي التي تسيطر على ليبيا منذ 15 عاما.

وعلى الرغم من أن البعض يوجه أصابع الاتهام إلى القائمين على حكم البلاد حاليا باعتبارهم مسؤولين عن حالة الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد، فضلا عن أنهم مستفيدون من إخلاء الساحة السياسية من شخصيات بقوة القذافي الابن والحداد رئيس الأركان إلا أن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي أدان حادث الاغتيال وأكد على متابعته لسير التحقيقات بما يضمن عدم افلات الجناة. ودعا إلى عدم التحريض السياسي حتى لا يستغل البعض الجريمة لتقويض مسار المصالحة الوطنية.

وهو ما أكده أيضا عبد الحميد الدبيبة رئيس وزراء غرب ليبيا المنتهية مدة ولايته الذي شدد على حرمانية الدم الليبي.

اقرأ أيضاًسيف الإسلام القذافي.. قراءة في حشود ما بعد الاغتيال

الأيادي الخفية وراء اغتيال سيف الإسلام القذافي