لا تزال موجة التسريحات في صناعة الألعاب — خصوصاً خلال السنوات الأخيرة — قضية مؤلمة ومثيرة للجدل، لكن إغلاق بعض الاستوديوهات تحديداً يترك جرحاً أعمق من غيره. أتحدث هنا عن إغلاق استوديو Monolith Productions صاحب الشهرة في تطوير Middle-earth: Shadow of Mordor وShadow of War. وأتحدث أيضاً عن إغلاق Tango Gameworks (قبل أن تستحوذ عليه شركة Krafton وتعيد إحياءه مع حقوق Hi-Fi Rush بالطبع). واليوم، أتحدث بشكل خاص عن صدمة إغلاق Bluepoint Games.
نعم، الاستوديو نفسه الذي قدّم لنا نسخة الريميك من Demon’s Souls، واحدة من أبرز حصريات PlayStation على جهاز PS5، بل ومن أفضل ألعاب الإطلاق عبر الأجيال. فبحسب تصريح حديث لموقع Bloomberg، سيغلق الاستوديو أبوابه في شهر مارس بعد “مراجعة أعمال حديثة” أجرتها Sony، ما يعني فقدان نحو 70 موظفاً لوظائفهم — مع شكرٍ رسمي من الشركة على “شغفهم وإبداعهم وحرفيتهم”.
ورغم أن سيل الشتائم لن يكون كافياً للتعبير عن حجم الغضب تجاه ما يحدث، فإن السؤال الذي يطرحه آلاف اللاعبين — وأنا منهم — يبقى واحداً: لماذا؟
لماذا أُغلق الاستوديو؟
الرئيس التنفيذي لاستوديوهات بلايستيشن Hermen Hulst يملك الإجابة — أو هكذا يُقال — وفق رسالة داخلية نُشرت تفاصيلها إعلامياً. فبعد الإشادة بإنجازات الاستوديو، أشار إلى أن الصناعة تمر بظروف أكثر صعوبة من أي وقت مضى، مثل:
- ارتفاع تكاليف تطوير الألعاب
- تباطؤ نمو السوق
- تغيّر سلوك اللاعبين
- ضغوط اقتصادية عامة
ووفقاً له، تحتاج الشركة إلى “التكيف والتطور” لضمان الاستمرارية، ما أدى في النهاية إلى قرار إغلاق Bluepoint في مارس. كما أكد أن القرار لم يكن سهلاً، مشيداً بخبرة الفريق التقنية التي قدمت “تجارب استثنائية” لمجتمع PlayStation، مع وعد بمحاولة إيجاد فرص بديلة لبعض الموظفين داخل شبكة الاستوديوهات العالمية.
لكن هل يكفي هذا التبرير؟
سجل حافل… ونهاية غير مفهومة
تذكّر العام الماضي حين ألغت Sony عدة مشاريع تعتمد على نموذج الألعاب الخدمية، وأغلقت حتى استوديو SIE London Studio؟ مشروع Bend Studio القادم تم إلغاؤه، وكذلك مشروع Bluepoint — وهي المرة الأولى التي نسمع فيها عن لعبتهم الجديدة أصلاً. والسؤال الذي تردد حينها كان: هل هذا حقاً ما كانت Sony تخطط له منذ استحواذها على الاستوديو عام 2021؟
الأمر يبدو غريباً، خصوصاً أن Bluepoint ليس استوديو عادياً. فهو الفريق الذي قدّم:
- ريميك Shadow of the Colossus الحائز على إشادة واسعة.
- نسخة محسّنة من Gravity Rush نقلت اللعبة لجمهور جديد على PS4.
- مجموعات مميزة لسلاسل مثل Uncharted وMetal Gear Solid.
- نسخة مذهلة تقنياً من Titanfall على Xbox 360.
- مساهمة في تطوير God of War Ragnarök إلى جانب استوديوهات أخرى.
استوديو بهذا التاريخ العريق والخبرة التقنية — التي اعترفت Sony نفسها بأنها قدمت تجارب استثنائية — كان أول ما فكرت فيه الشركة هو تكليفه بلعبة خدمية مستمرة؟ الأمر يعيد للأذهان إخفاقات مشاريع ضخمة سابقة في الصناعة.

هوس الألعاب الخدمية… بأي ثمن؟
قد يُلقى اللوم على Jim Ryan الرئيس التنفيذي السابق لـ SIE الذي بدأ التوجه نحو الألعاب الخدمية، لكن الواقع أن Sony الحالية لا تزال تسعى بشدة لتحقيق النجاح في هذا المجال. فالشركة تريد تكرار نجاح ألعاب مثل Helldivers 2، حتى لو كان الثمن إلغاء مشاريع أو إغلاق استوديوهات كاملة.
وفي حالة Bluepoint تحديداً، يبدو أن الشركة لم تر له مكاناً مناسباً رغم كل الإشادات. فبعد إلغاء مشروعه الخدمي الأول، حاول الفريق عرض أفكار جديدة لمدة عام، لكن لا شيء نال رضا Sony. وحتى لو افترضنا أن الاستوديو لم يرغب في العمل على المزيد من الريميكات — وهو افتراض كبير لأن Sony تملك القرار النهائي — فمن غير المنطقي الاعتقاد بأنه لم يكن بالإمكان توظيف خبراته في مشاريع أخرى.
- هل السبب أن Demon’s Souls لم تحقق مبيعات ضخمة بالسرعة المطلوبة؟
- هل لهذا لم يتم تكليفهم بريميك Bloodborne؟
- هل فقط سلاسل مثل The Last of Us تستحق إعادة الإنتاج لأنها تمتلك أعمالاً تلفزيونية للترويج لها؟
أسئلة قد لا نحصل على إجابة لها أبداً.
قرارات تجارية بحتة؟
كل ما يحدث يوحي بأننا أمام شركة تبحث عن تقليل التكاليف بأي طريقة ممكنة لتحسين أرباحها، حتى لو بشكل طفيف. ربما نظر أحد المسؤولين إلى عدد موظفي Bluepoint وقرر أن الاحتفاظ بهم لم يعد مجدياً في ظل الظروف الحالية.
نحن بالطبع لا نعرف تفاصيل القرارات العليا، لكن هذا القرار يبدو منفصلاً عن الواقع أكثر من غيره.

أين ألعاب اللاعب الفردي؟
الأمر الأكثر إثارة للحيرة أن Sony — التي تحتاج بشدة إلى مزيد من ألعاب اللاعب الفردي — تتخذ قراراً كهذا. ألم تتعهد الشركة بإطلاق ألعاب فردية ضخمة كل عام بعد Ghost of Yōtei؟ ومع ذلك، لا يبدو أن الوتيرة الحالية تحقق هذا الوعد.
فالمشهد الحالي يعتمد على مشاريع محدودة، مثل Marvel’s Wolverine، في حين أن إغلاق استوديو موهوب مثل Bluepoint يعني ببساطة تقليل القدرة على إنتاج تجارب فردية عالية الجودة.
خسارة بلا مبرر
هل فقدت Sony الثقة تماماً بقدرة Bluepoint على تقديم تجربة لاعب فردي استثنائية؟
وهل قد يكون Bend Studio الضحية التالية؟
وهل ستستمر الشركة في هذه السياسة حتى لا يبقى سوى الاستوديوهات الضخمة، ثم تبدأ موجة استحواذ جديدة؟
ما يحدث يبدو غريباً للغاية. استوديو بهذه الموهبة يُترك لسنوات دون مشروع واضح، بينما يتم الدفع بعناوين لم يطلبها أحد.
قد يكون الأمر مجرد انحياز شخصي لأنني استمتعت بأعمالهم، لكن الحقيقة تبقى واضحة: سواء عبر تقديم أفضل نسخة من Metal Gear Solid HD Collection، أو تعريف جمهور جديد بروعة Titanfall، أو إعادة عالم Boletaria بتفاصيل مذهلة لجيل جديد من اللاعبين — فإن إغلاق Bluepoint يمثل خسارة هائلة للصناعة بأكملها.
خسارة تم تجاهلها ببساطة بقرار تجاري بارد، وكأن الشركة تقول: “وداعاً… وانتهى الأمر”.



تعليقات